“مناضلو الدبابات”

كتاب وآراء
20 يونيو 2019
“مناضلو الدبابات”
رابط مختصر
“مناضلو الدبابات”
محمد أحداد

محمد أحداد

هناك مرض مزمن لدى جزء من يسار المغرب ونفر كبير ممن يناهضون الإسلاميين. إنه داء مزمن وليس له دواء: معاداة الديمقراطية! البارحة ، تابعت على صفحات التواصل الاجتماعي “فرح” بعضٍ ممن ينتمون إلى اليسار وانتشائهم بموت رجل دافع عن قناعاته ضد نظام وصل إلى الحكم على ظهر الدبابات

.الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، اليساري حتى النخاع، كان أول من دافع عن حق الإسلاميين في الاختلاف، وعارض بورقيبة وزين العابدين بسبب الطريقة التي كانا يتعاملان بها مع فئة من التونسيين، قد تختلف معها لكن لا يمكنك أن تقذف بها إلى السجون والمنافي، فقط لأنها فئة إسلاميين، وقد ظهر البارحة وهو يذرف الدموع أمام صمت دولي خاصة من الدول التي تزعم أنها تدافع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

موت مرسي والمحاولة الانقلابية التي استهدفت الرئيس التركي، رجب أردوغان، لم تكشف فقط نفاق الغرب واستعدادهم الدائم للانقلاب على مبادئهم لمجرد أن ثمة رئيسا لا ينتمي إلى عقيدتهم وصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع لا على ظهر الدبابات أو مدعوما من أمريكا أو غير أمريكا، وإنما كشفت أيضا وبجلاء أن بيننا انقلابيين حقيقيين أكثر خطورة من العسكريين الذين أخرجوا الدبابات من الثكنات، ليس لحماية حدود البلاد كما هو ثابت في العقيدة العسكرية للجيوش في كل أصقاع العالم، بل لإسقاط الديمقراطية..

الانقلابات في مصر وتركيا عرى جزءا كبيرا من المحسوبين على التيار اليساري، ففي الوقت الذي كان منتظرا فيه أن يكون اليسار في الخط الأول من المواجهة، ولاسيما أنه راكم تاريخا طويلا من المؤامرات والدسائس التي كانت تحاك ضده أيام كان اليسار مزعجا، حدث العكس تماما، حيث، في ما يشبه الضحك الممزوج بالبكاء، طلعت علينا ثلة من اليساريين يؤيدون العسكر والدبابات ويشيدون بالانقلاب بدافع الحقد الإيديولوجي، لا أقل ولا أكثر.

حينما تعمي الأحقاد السياسية صفا يحسب نفسه دائما تقدميا مؤمنا بالقيم الكونية للديمقراطية وحقوق الإنسان، فالنتيجة تكون أقرب إلى الكارثة، بل إن الذين تابعوا فصول الانقلابات منذ لحظاته الأولى فهموا أن اليسار، أو جانبا منه على الأقل حتى لا نسقط في التعميم، انخرط كليا في الانقلاب، وكأن أردوغانومرسي، على علاتهما الكثيرة، صعدا إلى رئاسة الحكومة كما يصعد عسكري مغمور في إفريقيا إلى الحكم.

الذي يدافع عن الديمقراطية عليه أن يكون شجاعا حتى ولو تعلق الأمر بخصومه، لأن الانتماء إلى الديمقراطية غير قابل للتجزيء كما حقوق الإنسان، والذي يكره أردوغان ومرسي رحمه الله ، ينبغي أن يصرف هذا الحق بالتدافع السياسي ومقارعته بالنقد والتحليل؛ والذي لا يريد لحزب إسلامي أن يصل إلى الحكم، ينبغي أن يطرح برنامجا بديلا قادرا على إقناع الناخبين.

لماذا لا يدبلج اليسار المغربي تجربة اليسار التركي الذي قدم درسا بليغا في الاختلاف السياسي، فأردوغان، الذي كان يكره اليسار كرها جعل أنصاره يتهمونه بالتنسيق مع الأكراد لتقويض أركان الحكم، لم يصدق أن هؤلاء الذين يكرههم، بدافع العماء الإيديولوجي، نزلوا إلى الشارع دفاعا عن رئيسهم ودفاعا عن الديمقراطية التركية المتينة؛ فالصراع حول الأفكار مكانه صناديق الاقتراع لا ثكنات العساكر.. هكذا تقدم الشعوب العظيمة دروسا في الاختلاف.

كي تكون سلفيا هذه الأيام، لا يكفي أن تكون ذا لحية كثة محشوة بغبار التاريخ، ولا يكفي أيضا أن تكون معتنقا لأفكار دينية متطرفة؛.. عليك أن تكون ضد إرادة الشعوب وضد الديمقراطية ومع الانقلابيين والمتآمرين والجبناء المهزومين في معركة الصناديق.

هذا بالتحديد ما ينسحب على اليسار المغربي والمناهضين العميان لتجربة الإسلاميين، الذين بدوا مزهويين برجل حرم من أبسط حقوقه من طرف انقلابيين وصلوا إلى الحكم في ليلة حالكة بمساعدة غرفة العمليات إياها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق