مسرح مابعد الحداثة أو تخلي النص عن عرشه

2020-02-17T18:11:16+01:00
2020-02-17T18:13:09+01:00
كتاب وآراء
17 فبراير 2020
مسرح مابعد الحداثة أو تخلي النص عن عرشه
إدريس الروخ

لقد مر المسرح بفترات عصيبة زمنيا ومكانيًّا واجتماعيًّا وأيديولوجيا، واستطاع في كل مرة ان يغير جلده ومظهره ولكن كان دائما يحتفظ بروحه الأصلية في خلق اجواء المتعة النفسية والجسدية أينما حل وارتحل ..فهو وان تعددت أسباب تغيير شكله تقنيًا وأدبيًا ومعماريًا ..وأن تحول النص من حال إلى حال وإن تمردت الشخصيات على مؤلفيها وعلى الفضاءات، وأصبحت تختلف عما كانت عليه أيّام الابتهالات والدعوات والأشعار الموجهة للرب ..تغيرًا وتحولًا قادها للابتعاد شيئا فشيئا عن قدسيتها وعن نبل انتماءها ..وبعد أن كانت في العصر الاليزابيتي شخصيات ملوك ونبلاء وفنانين ..بعد كل هذا كان المسرح ينتقل من زمن لآخر ومن عصر لآخر ومن حدث سعيد او سيء لآخر اكثر سعادة او اكثر سوءا ..

الكل يتغير حسب قوانين تطور المجتمع ..وحسب بنيته الاجتماعية التي قد تدفعه الى الثورة سياسيًا او التحول اقتصاديا ..او الانتفاضة ثقافيا ..والكل يتاثر بمفعول المتغيرات على كل المستويات ..فالكلمة تأخذ نصيبها من التفاعل ( ايجابا او سلبا ) ويصبح القاموس اللغوي له دلالته في التعبير عن مشاعر الفرد ..والدفاع عن المجتمع ..والإحساس ينتشي بمؤشر ما وصل اليه رد فعل المنظومة كلها ( قبل الحرب -اتناء الحرب -او بعد الحرب ) احاسيس تختلف وتكون في مواجهة مع مايحدث وبالتالي يتحول ذالك الإحساس في كتابة القصة وفي دماء الشخصيات وبين جدران الفضاءات ..

أن المسرح سار في دروبات صعبة وحالكة ..اكثر مما كانت احيانا مشعة ..وعاش فنانوا الخشبة على اختلاف وجهات نظرهم ظروفًا جد مزرية ..منهم من سجن ومنهم من مرض ومنهم من تلقى كل أنواع العذاب ..وآخرين قتلوا أو ماتوا ..
فالمسرح لم ولن يكون يوما ما حوارًا شيقًا وحالة رفاهية وطريقا سهلا( ..) أنه وجهات متعددة بإيقاعات مختلفة وبتيارات متصارعة ومتنافرة ..وبنجاحات وإخفاقات متباينة ..انه مؤشر حقيقي لفهم الإنسانية .

إن المسرحيات وبشكل كبير على المدرسة الكلاسيكية والنظرة التقليدية للأحداث وبالأخص مع بريشت الذي كان يعي جيدًا ان البورجوازية قد فرضت رقابة على المسرح وأخضعته لسيطرتها من أجل مصالحها ومن أجل ان تسير الطبقات الهشة بأهوائها ..وذلك عن طريق تشجيع غعمال كوميدية بليدة لا تشغل عقل الفرد ولا تعطيه وقتا للفهم، بل مجرد منتوج تجرب فيه طرق استيلاءها على كل ماهو مادي ..لقد حرم العمال من مسرح يجربون فيه أدوات انفعالهم ويصبون فيه جم غضبهم ..ولكون البورجوازية اغلقت الأبواب وسدت المنافذ عليهم ، فقد بات المسرح فارغا من المعنى ..بدون قيمة فنية ..

وتعرت الكتابة وفضحت ولم تعد تغري لا الاجساد ولا العقول وهذا ما دفع بريشت ليلقي بمفاتيح مسرح ذكي ..مسرح تعليمي يخالف التقليد ويكسر القواعد الارسطية ويبتعد عن الأحاسيس البليدة ..ليخاطب العقل فؤسس ما يعرف بالمسرح الملحمي او الديالكتيكي …الخ

وربما لو عدنا الى مفهوم الحداثة في المسرح نجد أن ( الفريد جاري) أحد الاسماء البارزة في فرنسا وخصوصا في المدرسة الرمزية وأحد مؤسسي الباتافيزيقا (علم المفاهيم المُتصوَّرة أو الخياليَّة)، والذي وإن تشابهت كتابته وبالأخص في مسرحية (أوبو ملكا) مع مسرحيات شكسبير على مستوى الحكي الا انها تعد احد المفاهيم الأساسية في الكتابة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي..ورغم صغر الكاتب وموته في زهرة العمر إلا أنه استطاع أن يدخل التاريخ من اوسع ابوابه وان يفتح النقاش حول مسرح آخر وكتابة اخرى أوصلتنا فيما بعد الى مسرح مابعد الحداثة .

إن التحولات التي حدثت في الهندسة المعمارية وتغيرت الفنون الى وتبدلت أحوالها وتنافرت فيما بينها لتخلق سجالًا فلسفيًا ووجوديًا حول ماهية الفن والإبداع في وقتنا الراهن ..والتحولات الاقتصادية الكبرى وهيمنة الرأسمالية والمصلحة المادية على الانسان ..والتطور التكنولوجي الذي أفزع العالم وغير شكل اللغة وأبان عن ميلاد ألفية جديدة وثورة رقمية على مستوى الصوت والصورة والإعلام وظهور الإنترنيت وغزو الفضائيات والجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات الخ كل هذا وغيره أبان على أن العقل بدأ يعرف تراتبية مغايرة لما كان عليه من قبل وأنه دخل في تفكير مغاير لما ينتجه من عوالم وافكار ابداعية وأنه يجب ان يهتم بالتفاصيل الصغيرة وان يرتب ذلك في أشكال بسيطة ومريحة للدماغ وممتعة للخواطر…وبات من الأهم ان تتغير الأشكال والأحجام والكلمات وان يصبح النص في المسرح مجرد من حمولته الفلسفية وان يأذي دوره كباقي آليات العرض الاخرى من موسيقى واضاءة وسينوغرافيا وكوريكرافيا وتشكيل( …) وعوض ان يكون كما كان من قبل مركز العمل المسرحي ، انسلخ قليلا عن دوره ليترك المجال اكثر فاكثر للمخرج الذي تطور دوره وأصبح هو القادر على نجاح او فشل عرض فرجوي ..

إن هذه التغيرات التي طرأت على العالم اليوم ..دفعت بجل صناع الفرجة من البحث عن صيغ اخرى وفضاءات متنوعة وممكنة لتقديم أعمالهم بدل الاقتصار فقط على الطابع التقليدي او الكلاسيكي سواء تعلق الامر بالمعمار او بالكتابة او طرق الإخراج القديمة ..

ولعل تجارب بعض رواد مسرح مابعد الحداثة أمثال(روبرت ويلسون، أدولف آبيا غروتفسكي، يوجين باربا، اريان منوشكين، بينا باوش ، وبيتر بروك (..) إلخ أدخلتهم في صراع مباشر مع مكونات العرض الكلاسيكية من نص ومؤلف ومخرج ليحل محلهم المؤلف/المخرج الثائر على النص والمشتغل في ثناياه والباحث عن نقط ضعفه ليحوله بصريًا في تشكيلات مختلفة موسيقيًا وسينوغرافيا ورقصًا ..الى ابعد من كلمة وحوار ..والاحتفاظ احيانا بفكرة النص لتحل محلها رؤية مخرج متمكن من أدوات الاشتغال الحديثة .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق