لا زال شيء من حتى لإنصاف حواء المملكة

2019-08-30T20:07:36+00:00
2019-08-30T20:32:36+00:00
كتاب وآراء
30 أغسطس 2019
لا زال شيء من حتى لإنصاف حواء المملكة
لا زال شيء من حتى لإنصاف حواء المملكة
ذ مارية الشرقاوي

ذ. مارية الشرقاوي*

كانت المرأة المغربية ولازالت صامدة أمام الفكر الذكوري المتحجر ،المقزم لقدراتها ، المعتبر إياها قاصرا تحتاج لوصاية الرجل، فبعبقريتها و كفاءتها وقدراتها اللامحدودة جابهت هذا التحجر بل استطاعت انتزاع الريادة في مجالات عدة، فكانت أحيانا ندا للند مع الرجل وأخرى متفوقة عليه، والتاريخ المغربي يحكي عن نساء عظيمات، وذاكرته تزخر بأسماء نساء عديدات، شرفن الوطن على المستوى العربي والإسلامي وأحيانا على المستوى الدولي في مجالات عدة، إيمانا منها أن مساهمتها في تنمية وطنها والمشاركة في تدبير شؤونه ضرورة ملحة، وإيمانا منها كذلك بأنه لا يمكن الحديث عن تنمية أي بلد دون أن يكون الرجل والمرأة شريكين فيه على حد سواء، كون مجتمع دون امرأة فاعلة فيه هو مجتمع معاق ومشلول، فخاضت مسلسلا طويلا من الكفاح والنضال لإنصافها وتمكينها من حقوق غير منقوصة و كرامة غير مبتورة .

لكن بالرغم من كل المجهودات المبذولة منها ومن كل مناصرو منصف لقضيتها وبالرغم من كونها كنسمة تشكل 52في المائة من ساكنة المغرب 76 في المائة منهن لا تتجاوز أعمارهن 44 سنة ، فهل استطاعت تقويض صرح التراتبية الذي كرسه الفكر الذكوري وحققت هدفها المنشود؟

للإجابة عن هذا السؤال سألامس الموضوع من خلال ثلاثة مجالات :

1 المجال الاجتماعي
2 المجال السياسي
3 المجال القانوني

1 المجال الاجتماعي :

المرأة المغربية هي تلك المرأة المكافحة المنافحة ، بل هي من النساء اللواتي يقدمن الغالي و النفيس بل قد يلعقن التراب من أجل أسرهن ، فهناك أسر عديدة تعيلها نساء ، حيث نجد الأرقام المعلن عنها من طرف المندوبية السامية للتخطيط في دراسة حول موضوع “النساء المغربيات وسوق الشغل : الخصائص والتطور” تتحدث عن حوالي 1,2 مليون أسرة من أصل 6,8 ملايين أسرة مغربية كانت تعيلها نساء سنة 2012 ، أي ما يناهز 17,7 في المائة من الأسر . وأكثر من نصف هؤلاء النساء المعيلات لأسرهن 55,1 في المائة أرامل، 26,6 في المائة متزوجات و11,1 في المائة مطلقات مقابل 6,8 في المائة عازبات.ومع دلك تبقى إعالة المرأة لأسرتها من الأمور البديهية مادام بلدنا بلد الديمقراطية وبلد الحقوق والمساواة بين الجنسين تبعا لما نص عليه دستور 2011، لكن يبقى واقع شريحة واسعة من النساء العاملات واقعا مرا من حيث ظروف اشتغالهن كالنساء اللواتي يحصلن على لقمة عيشهن من معبر سبتة والذي اعتبره العديد من المغاربة معبر ذل واهانة للمرأة المغربية ، وكذلك من حيث ظروفهن الاجتماعية فمنهن المطلقات ،منهن الأرامل ، ومنهن من دارت بهن دائرة الزمان فوجدن أنفسهن يعلن أسرا ، بعد أن مرض الزوج ، أو طرد من العمل ، أو ربما لم يجد له مكانا في سوق الشغل، كما قد نجد نساءا اخترن الخروج للعمل لعدم شعورهن بالأمان مع أزواجهن وخوفهن من تخليهم عنهن في يوم من الأيام في مجتمع غاب فيه التكافل العائلي ، وتملصت الدولة من مسؤوليتها الكاملة اتجاههن إلا من بعض الحلول الخجولة و الغير كافية كصندوق التكافل العائلي. و صندوق دعم الأرامل الذي خصص للأرملة 1000 درهم ،بالإضافة لبعض البرامج التي ثبت قصورها وثبت أنها لم تكن سوى حلولا ترقيعية . أما إن تحدثنا عن وضعية المرأة في القطاع الخاص فهناك تمييزا مهولا في ساعات العمل و الأجر ، فبالرغم من كون مدونة الشغل منعت في فصلها التاسع التمييز في مجال التشغيل و التمييز بين المرأة و الرجل في الأجر إذا ما تساوت قيمة العمل الذي يؤديانه إلا أنه على مستوى التفعيل لا يزال هناك قصورا فظيعا وتمييزا خطيرا في بلد من المفروض أنه بلدا ديمقراطيا ويتوفر على نصوص قانونية متقدمة جدا.

2 المجال السياسي :

تعتبر مشاركة المرأة في الحياة السياسية من أهم شروط الديمقراطية، باعتبار مكانتها داخل مجتمعها هي المعيار الكاشف لحقيقة الوضع الديمقراطي داخله.

وبإطلالة موجزة عن مكانة المرأة في المشهد السياسي لن نختلف إذا قلنا أن هناك هوة سحيقة بين ما تنص عليه الوثيقة الدستورية وبين الواقع ، ولتوضيح الرؤية لن أتحدث عن نسبة التمثيلية النسائية بالبرلمان بمجلسيه أو عن نسبة النساء في مراكز القرار، بل سأكتفي بالحديث عن ما جاء في إعلان وزارة الداخلية عن النتائج التفصيلية فيما يهم توزيع المنتخبين على مستوى الانتخابات الجماعية حسب النوع والدي بلغ 78.05 في المائة للرجال و و21 بالمائة للنساء، والذي كان صادما لنا كفعاليات نسائية سيما حدوثه في ظل دستور جديد دستور متقدم يحث على المناصفة والمساواة بين الرجل والمرأة حسب الفصل 19 منه ، فنسبة 21 في المائة لم تستجب لانتظارات النساء والقوى الحية ، كما أنها لم تواكب التوجهات الحالية والمسار الحقوقي الذي اختاره المغرب ملكا وشعبا وراهنا عليه ، ويوضح بالملموس عدم الرغبة السياسية الحقيقية في تنزيل أو تفعيل التشريعات التي تمكن المرأة سياسيا ، وبالتالي تفشي بأننا لازلنا نعيش في مجتمع ذي أنموذج ثقافي ينهل من فكر ذكوري يحدد مسبقا مسافات التحرك فيقزم المرأة و لا يعترف بقدراتها و كفاءتها وبالتالي لا ينصفها. مما نتج عنه انعدام الرغبة داخل الأحزاب في تحقيق المساواة على الساحة السياسية التي لازالت حكرا على الرجل بل وبامتياز، وما يتشدق به الساسيون في المنابر الدولية والوطنية عن تمكين المرأة ما هو إلا تزويق كلامي لتجميل الصورة للرأي العام الداخلي والخارجي .

3 المجال القانوني :

خطى المغرب خطوات جد مهمة في هذا المجال حيث شرعت مجموعة قوانين تحمي المرأة من إجحاف عانت منه ردحا من الزمن و أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر :

– مدونة الأسرة و تعتبر نموذجا لمجموعة من الإصلاحات الجوهرية التي قام بها المغرب بغية تأسيس مجتمع ديمقراطي حداثي، وهي مبادرة فريدة من نوعها على مستوى العالم الإسلامي والعربي.كما أنها استحقاق تاريخي ناضلت من اجله منظمات وجمعيات نسائية في مرحلة عرف فيها المغرب انتعاشا كبيرا في قضايا المرأة،

لكن بعد خمسة عشرة سنوات من تفعيلها بمحاكم قضاء الأسرة، ظهرت مجموعة من الثغرات و الأعطاب سواء على مستوى النصوص أو على مستوى التفعيل الشيء الذي أثر بشكل أو بآخر على روح وفحوى مدونة الأسرة مما يجعل إعادة النظر فيها ضرورة ملحة.

– تعديل قانون الجنسية حيث أصبح من حق المرأة المغربية المتزوجة برجل أجنبي منح جنسيتها لأبنائها .

– حذف الفقرة الثانية من الفصل 475 من القانون الجنائي التي كان بموجبها يعفى المغتصب من العقاب إذا تزوج المغتصبة ،وهو مكتسب لم يقدم على طبق من فضة و إنما جاء بعد نضال مستميت من الجمعيات و المنظمات النسائية .

– قانون محاربة العنف والتحرش ضد المرأة 13-103 عمل هذا القانون على تجريم مجموعة أفعال وأقوال لم تكن مجرمة قبلا واعتبرها تحرشا جنسيا ، حيث لم يكن بإمكان المرأة المتحرش بها متابعة المتحرش فكانت تظل عرضة للتحرش في الشارع أو في العمل الشيء الذي يؤثر عليها نفسيا كما يؤثر على مردوديتها داخل المجتمع.

وقانون 13_103 نجده قد عمل على تعريف العنف واعتبره كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة، واستنادا على هذا التعريف جرم مجموعة من الأفعال واعتبرها شكلا من أشكال العنف ضد المرأة كالإكراه على الزواج، تبديد أو تفويت الأموال بسوء نية قصد الإضرار، التحايل على مقتضيات مدونة الأسرة كتلك المتعلقة بالسكن والنفقة، الامتناع عن إرجاع الزوجة المطرودة إلى بيت الزوجية . لكن في المقابل لم يجرم بعض الأفعال, والتي تعتبر شكلا من أشكال العنف وتعرض على المحاكم كالاغتصاب الزوجي مثلا، ويبقى هذا القانون على علته ونواقصه حاملا مجموعة من المكتسبات للمرأة وهو أمر لا يسعنا إلا تثمينه .

فمن خلال ما أشرت إليه أعلاه نلاحظ أن واقع الحال يوضح وبالملموس مجموعة من المكتسبات التي تحققت للمرأة على مستوى النصوص القانونية ،وهي جد مهمة وكانت ستحقق الريادة للمغرب على مستوى تمكين النساء لو وجدت إرادة سياسية حقيقية لتنزيلها وتفعيلها بشكل سليم ، لكن للأسف الفكر الذكوري المستفحل والذي يمنح السمو للذكر والدونية للأنثى يلاحق المرأة كلعنة داخل بيتها وخارجه، مما نتج عنه تماطلا واضح في التنزيل والتفعيل بل أحيانا تراجعا عن بعض المكتسبات مما يجعل المغرب في وضع مخجل باعتباره بلدا يرنو لأن يكون بلدا ديمقراطيا حداثيا .

لكن رغم كل الإكراهات التي تتعرض لها المرأة وفي شتى المجالات نجدها بالمقاومة والنضال والعزيمة والكفاءة قطعت أشواطا، ففرضت نفسها كفاعلة قادرة على العطاء في شتى المجالات وهذا واقع لا يرفع وحقيقة لا غبار عليها، كما أثبتت العديد من الدراسات نزاهة و جدية المرأة حين تقلدها للمناصب وما التعيينات الملكية لمجموعة نساء على رأس مؤسسات دستورية وهيئات الحكامة والتي تعتبر مناصب حساسة ومهمة داخل البلد وتمكينه المرأة من ولوج خطة العدالة رسالة مشفرة للمعنيين بالأمر وخاصة قادة الأحزاب السياسية، ، وهنا أطرح سؤالا استشرافيا للآفاق مادمنا مقبلين على تعديل حكومي في الأيام المقبلة .

هل ستنصف الكفاءات النسائية في التعديل الحكومي المرتقب سيما و أن الخطاب الملكي تحدث بل أكد على معيار الكفاءة ولا شيء غير الكفاءة أم ستظل دار لقمان على حالها ؟

*كاتبة و باحثة في قضايا النوع الاجتماعي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *