عِندما تبْكي السّواقي

كتاب وآراء
4 يونيو 2020
عِندما تبْكي السّواقي
ذ محمد نخال

عانقَتْني ودمْعُها على الخدِّ كالسَّيْل مُنْهَمِرُ، غرسَتْ رأسَها في صدْري، كطَريدَة تَحْتَمي مِن كاسِرٍ عَنيد، تصاعدَتْ من صدرها زفَراتٌ حارقَة كافِية لإذابَة قَطعَة من حَديد، وأجْهَشَتْ بالبُكاءِ ناحِبَةً كالثَّكْلى، وفاهَتْ بكَلماتٍ مُبَعْثَرةٍ بعْثَرة الأفكار في مُخيلة العاشق، بالكادِ وَصَلَتْ مسامِعي. كانتْ مدامعها تجري حارقَةً على قفَص صَدْري، كحِمَم بركان مُسْتَعِر، حتى خِلْتُها طُوفانا كاسِحا سيَجْرِفُني إلى عَوالم الأحْزان.

تقَطّعتِ الحُروفُ بين شفَتَيها المُرْتَجِفة، تقَطُّعَ السُّبل لذى غريب عن الأوطان، بالكَادِ خَرَجَتْ مُبعْثَرة يَصْحبُها تنَهُّدٌ عمِيق، مُسْتَرْسَلٌ من مُهْجة أضْناها النَّدم على فِراق لم تحْسِبْ له ألْفَ حِساب. وبعد أن اسْتجْمعتْ أنفاسَها، رفعَتْ رأسَها، ونظرتْ إلي بعيُونٍ ذابِلة أصابَتْني في مَقْتَل، فحَسِبْتُ دمعاتها على شِفاه الرياحين قطَراتٍ من نَدَى، وعلى جِيدِ حسْناءٍ حبَّاتُ عِقْدٍ من ماسٍ فَريد، وقالتْ بعبارات مَكْلومة:

سامِحْني يا رفيقَ عُمري، لقد أضْنَيْتَني بالهَجْر، ولم أعُدْ قادرةً على بُعْدك، ها أنا عدتُ إليك أجُرُّ ديُول خيْبة نكراء، وأصارع أوْجاع قلبٍ منكسر، ضاعتْ شظاياه بين ركام عاصِفة حُبّك الهَوْجاء، عَبَثا حاولتُ أن أُوَاري جُثْمان ذكراك في قبر النّسيان، فلم أستطعْ أن أسْحبَ جُدور هواك من خبايا جَوارحي، وقد عجَزتُ أن أطْمِس ملامِح هُويتِكَ من على جُدران فؤادي، إذْ كنتَ تخرجُ مع كل نَفَسٍ يتصاعدُ حارقا من أعماقي.

يا حبيبي، في بُعدك ناحَتْ شمسي في سَمائي، وعَجَز كل طبيب عن شِفائي، وهَزَم غَرامُكَ كل أرْجائي، فناديتُكَ مُنْتَحبَةً في جنْحِ الليالي، ولم تسمَعْ ندائي.

ارحمْ ضَعْفي ومَذَلَّتي، فما أعْظمَ حُبّك! وما أصْغَرني.
كيفَ أنساك وأنا تائهةٌ في بحْر هَواك!

كيف أنسَاك، وقد كانتْ قُبْلَتُكَ الأولى على جَبِيني، الرّشْفة الأولى التي سقَتْني لذَّة الحياة من مَنْبع الحنان. وجعَلتْني كعُصْفورة تلْهُو من نشْوةٍ بين الجِنان.

كيف أنساك، وقد كانتْ همسَتُك الأولى في مسامعي مطْلعَ قصِيدة غَزلية بأرْوع القَوافي والأوْزان، وابتسامتُكَ المُشْرقة في وجهي تُضاهي تَفتُّح الأزهار في نَيْسان، وبغيابك غابتْ شمس الفَرحة عن روحي واسْتوطنَتْها الأحْزان.

يا حبيبي، كلما خيّم الليل وأرْخَى سُدُوله، يَبِسَتْ جُفوني، وازْداد جُنوني، جفَّتْ مدامعي، ولهيبُ الشوق كَوَاني، وعَمَّ الظلام كياني، حينها أيْقَنْتُ أنك كنْتَ الشُّعْلة التي تُنِير العتَمة في داخلي، وكنتَ الرَّنة السّحرية التي أبْدَعتْ عزَفَتْها أنامِلُ الحياة على أوتار قلبي المُتيم الوَلْهان.

سامِحني يا حبيبي، فقد أعْمى الوَجْدُ بَصيرتي، وتاهَتْ عني سُبُلي، ناح قلبي بين جوانحي، وجَرَفَتْني سُيُول دمعاتي، وأحْرقتني جَمَراتي، وما عدتُ أشعرُ بالأمان في حاضِري ولا فيما هو آتي.

عُدْ إلي يا مُنقِدي من خُلْجان الضّياع، فقد هاج فؤادي، وانكسَرتْ أمواجُ عِناده على صَخرة الانْصِياع، فما أقْواك يا حَبيبي، وما أضْعَفني!

أستَحْلِفُكَ بكل حبّ صادق، وما أفْلَح عنْ دين الحُب مارِق، افتَحْ لي أبواب السّعادة من جديد، وأعِد الحياة لقلبي الذي أصبَح بابه من حديد.

فما أعظم حبّي لك يا حبيبي، وما أصْغرني!

دَعْني في حُضنك، ارْوِ عَطشَ مشاعري من نبْع حنانك، اطفئ لَظَى فؤادي من كَوْثَر همساتك، دعْ قلبي المنْكسِر يسْتَحِم في شُطآن وجْدانك، فأنتَ قصيدتي الشِّعْرية، وما أنا إلا هَمسَة بين القَوافي. أنتَ راحِلَتي التي أضَعْتُها فتاهَتْ عَواطفي بين الفَيَافي.

فما أشدَّ حنيني إليكَ يا حبيبي، وما أتْعَسَني!

أنتَ مَجْدي وكبريائي. أنتَ السَّيْفُ البَتَّارُ الذي سَفَكَ قهْرا على مِحْراب العِشْق دمائي! وما أنا إلا قُربانٌ مَصْلوبٌ على ألواح الهَوى، ترْتادُ مَزارَهُ العَذارى من كلّ الأقْطارِ والأرْجاء.

يا سَيّدي!

أنت نَفَسي الذي عادَ إلي بعْد جُهْد جَهِيد!

أنتَ الشيْخُ، وأنا في حلقَاتِ هواكَ المُريد.

أنتَ سَجَّاني، وبين قُضبان غرامكَ يحْلُو مقامي، وأهْوى العيْشَ وأريد.

أنتَ مُهْجتي ولَوْعَتي واشْتِياقي، وما أنا إلا ساقِية باكية، وأنتَ رفِيقي الوادي ….

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق