ضجر الرباط

كتاب وآراء
11 يونيو 2019
ضجر الرباط
رابط مختصر
ضجر الرباط
طلحة جبريل

طلحة جبريل

خلال أيام الدراسة في المدرسة الأولية (الإبتدائية) كان يوم السبت يوماً منغصاً لنا نحن التلاميذ الصغار، إذ كان يوم “النظافة”.

كان علينا قبل دخول حجرات الدراسة أن نصطف في طابور صباحي ، حيث يمر أحد المعلمين بين الصفوف ليتفحص نظافة الأبدان والملابس التي نتدثر بها، وإذا صنف أحد التلاميذ في خانة ” المتسخين” ، تنتظره عقوبة الجلد، ولا شك أن تلك العقوبة كانت لها آثار تربوية ضارة.

كانت الحصة الأولى بعد طابور الصباح هي حصة الحساب (الرياضيات).

سمعنا وقتها أن التلاميذ تكون لهم قدرة على استيعاب تعقيدات مادة الحساب في الصباحات، قبل أن تشحن عقولهم الصغيرة بمواد أخرى .

كنت شخصياً لا أطيق مادة الرياضيات ، وبالمقابل أجد متعة في دروس العربية والانجليزية والتاريخ والجغرافيا.

كان الانتقال من “طابور النظافة” إلى حصة الحساب في حالتنا كحالة المستجير من الرمضاء بالنار.

ظل كابوس يوم السبت يلازمنا طوال أيام الدراسة الابتدائية. هأنذا أكتب عنه بعد عقود، مما يعني أن تأثيره كان كبيراً.

تذكرت “سبت التنغيص” خلال عطلة امتدت خمسة أيام.أمضيت خلالها أغلب الوقت خلف الحاسوب لإزاحة ما تراكم من أعمال.

كنت أعتزم إعادة اكتشاف الرباط، لكن الأيام تجري سراعاً.

أفتح القوس لأقول إن البال يظل مشغولاً مع بلد شاء قدره أن يتحكم في مجريات أموره “قتلة”، ويواجه شبابه الموت بصدور عارية، لسان حالهم يقول :
أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَـا
تَهَـدَّدُنَـا وَتُوْعِـدُنَا رُوَيْـداً مَتَـى كُـنَّا لأُمِّـكَ مَقْتَوِيْنَـا
ليتهم عرفوا أن البشر لا يمكن أن تكون مثل البعير يطوع بالضرب.

أغلق القوس وأعود إلى الرباط، وأقول إنها مدينة لها مذاقها تشدك بهدوئها ونظافتها ، لكنها في العطلات الممتدة تصبح خامدة.

عندما تصل إلى يوم الأحد تجد أنه من الأيام التي لا تعرف كيف تبدأه ومتى ينتهي.

اعتاد أهل الرباط خلال أيام الأحد المشمسة الذهاب إلى الأطراف سواء كانت بحراً أو غابة، لكن ذلك يقتصر على المقتدرين أي أولئك الذين يتوفرون على “راحلة” كما تقول اللغة.

الرباط حالها مثل حال بعض العواصم الإدارية لا تفكر في “الوقت الثالث” إلا لماماً وعلى الرغم من ذلك لا يفتر ولا ينقطع الحديث عن مشاريع ثقافية وترفيهية، لكن لا ثقافة ولا ترفيه، إلا إذا اعتبرنا أن تزجية الوقت في المقاهي “ثقافة وترفيه”.

عندما يقبل يوم الأحد في الرباط تعود الذاكرة إلى “يوم السبت” في تلك الأيام، أيام طابور النظافة وحصص الحساب .

حين يكون الضجر، لا نملك سوى الاجترار .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق