حزب يحتاج للإلهام

11 أكتوبر 2019
حزب يحتاج للإلهام
رابط مختصر
حزب يحتاج للإلهام
سعيد جعفر

سعيد جعفر

هذا الحزب الذي يوجد اليوم في وضع غير مريح هو حزب أنتج أكثر الأفكار إبداعا في المغرب الأقصى.

ففي منطقة جغرافية تعرضت لتغيرات قسرية في أنماط التفكير وفي أطر السلوك منذ وفادة فرد عربي مسلم من شبه الجزيرة هو المولى ادريس، لم يكن أبدا إبداع أفكار سياسية أو اقتصادية أو ثقافية خارج الإطار العام للتفكير المشرقي لتدبير المجال والعلاقات الاجتماعية.

حتى فرنسا بكل قوتها و سطوتها السياسية والإدارية اضطرت لتكييف نظمها الإدارية خصوصا مع الطابع التقليدي للتفكير والتدبير ولم تستطع أبدا تغيير نظام المخزن ولهذا حاولت تكييفه وتوظيفه.

أن تنتج فكرة الملكية البرلمانية والدستور الديمقراطي القائم على فصل السلط وفصل السلطة عن الثروة مباشرة بعد الاستقلال، وتحولها إلى أطروحة في 1959، فهذا يعني أنك ملهما وتنتج أكثر الأفكار الملهمة في منطقة لا زالت محافظة سياسيا و ثقافيا رغم كل المحاولات المختلفة للتحديث التي تحدث.

هذا الحزب يوجد في وضعية صعبة منذ 2007 ومنذ 12 سنة لم ينجح في إنتاج مشروع مجتمعي وسياسي جديد يلهم الناس، ويبدو للأسف أن حتى وزنه السياسي الذي شكل دوما احتياطيا مهما يتآكل اليوم رغم كل الترميمات التي تحدث.

أين يكمن المشكل لينتهي الأمر إلى خسارات انتخابية وسياسية رغم أن هناك جهودا تقام؟

1- لا بد من الافتخار أولا أن هذا الحزب يتوفر على عناصر ثروة غير مقدرة بثمن، فهذا الحزب يملك تاريخا لا زال حاضرا في ذهن أجيال كثيرة وهو رأسمال لامادي يمكن إعادة تقييمه وتثمينه.

2- هذا الحزب يتبنى طريقة ومنهج تفكير تلائم طبيعة تحولات المجتمع و حركة التاريخ، فالأجيال الجديدة الحالية والقادمة لم تعد تؤمن بالولاء للجماعة وتؤمن بالفرد وتتنفس الحرية.
والحال أن هذا المعطى ثروة لا يتم استثمارها نهائيا، إذ أننا نقدم أسوأ الخطط لاستثمارها.

إننا نفكر من داخل أطر تقليدية عتيقة إن لم نقل أننا نتحرك من داخل خطاطات مفلسة تقوم على الولاء والطاعة وضعف الكفاءة تجعلنا لا نغري الأجيال الجديدة من الشباب والشابات.

إن الأجيال الجديدة هي أجيال متعلمة على أعلى مستوى تتقن اللغات ومنفتحة على العالم، وسيكون من الظالم أن نحاورها بنماذج سياسية تعليمها متوسط وتفتقد للغة والانفتاح وروح العصر.

إنها معادلة صحيحة لا بد من قبولها وعدم تجاوزها.

سأعطي أمثلة عن الملهمين الحقيقيين الجدد الذين يؤثرون في الأجيال الجديدة للشباب لنفهم إلى أي مدى نحن ضعيفون.

حوالي 500.000 شاب يتفاعلون مع صفحة نجيب مختاري، الشاب ذو التكوين العلمي(تخصص فيزياء) وخريج الأقسام التحضيرية الذي يشرح لآلاف الشباب قضايا الفلك و الحركة والضغط والجاذبية بالدارجة المغربية في فيديوهات رائعة.

في آخر مشاركة تلفزية لي في برنامج “منطقة محظورة” على قناة تيلي ماروك حضر إلى جانبي شاب طموح منفتح وبراغماتي.

“سوينكا” هذا يدير قناة على اليوتوب بعنوان “أجي تفهم” عدد مشاهديها يفوق 300.000 وتحقق أرباحا مالية مهمة.

شامة درشول صحافية وكاتبة شابة تكتب في مجلات دولية وفي جريدة “الأخبار”، عدد قرائها بالآلاف وأسلوبها ينفذ عميقا.

لا أدعي أني أؤثر لكن عشرات اللقاءات التي أطرتها في جل المدن المغربية، وآلاف الحصص التي درست فيها آلاف من التلاميذ والتلميذات، وعشرات الحصص التي درستها في تخصصات مختلفة، تجعلني اليوم أملك لغة “نافذة” وفكرة ملهمة ومؤثرة.

لا أقدم هاته الأمثلة في شكل سير ذاتية في إطار إعلان للتوظيف أو التعيين… هذه وضعية تحتاج الاعتراف الأخلاقي أولا.

ما نريده من هذه الأمثلة هو القول أن الأجيال الجديدة التي تتنفس يوميا نفس أفكارنا ونفس مطالبنا في الحرية والعدالة الاجتماعية ورفض الظلم لا تجد من يلهمها، وبالأحرى تتقزز مما نقدمه لها من عروض وكيفيات تقديمها.

وفي الحقيقة ففشلنا مزدوج، فنحن لم نفهم المجتمع وفي نفس الوقت لم ننجح في تقديم عرض جيد، وكما أن مقدمي عروضنا غير ناجحين.

لقد تبين هذا الأمر من خلال نسب التجاوب التي حدثت في التجربتين النيابيتين السابقتين مع رضا الشامي وحسناء أبو زيد. قد تكون هناك ملاحظات على الأداء العام لكن من يحق له التقويم بالضبط هو المتلقي وآخر حلقة من شباب فوكس تبين كيف أقبل كثيرون على خطاب واضح وعقلاني.

لقد مثل محمد الكحص هذا النموذج فالرجل لم يكن شعبويا ولم يكن سوفسطائيا ولا قومجيا ولا عروبيا، كان رجل سوسيولوجيا يتكلم بلغة السياسة وكانت كلماته تنفذ بعيدا.

3- هذا الحزب محظوظ جدا وقوي جدا لأنه يتوفر على عملتين نادرتين، فهو يتوفر على فكرة ملهمة تصل درجة العقيدة، والحلم الذي استشهد من أجله شهداء كثر، وسالت من أجله دماء ودموع…لازال قائما عند عدد كبير من الناس الصامتين والعاطفين، ويمكن أن يحرك عواطف الأجيال الجديدة.

وفي الحقيقة فكل الاحتجاجات التلقائية والمسؤولة التي تقوم مطالبة بالكرامة والعدالة والحرية هي تحتاجنا ونحن نتخلى عنها.

وهذا الحزب يتوفر على 30.000 ألف منخرط وعلى آلاف من الغاضبين والعاطفين والصامتين المؤمنين بالفكرة و الذين يتنفسونها، ويشكلون ثروة حقيقية وكفاءات لا تحصى.

هذا حزب يتوفر على كل شيء، وما ينقصه هو الإلهام.

الإلهام في تحيين المشروع المجتمعي والسياسي،
الإلهام في فهم المجتمع والعالم و في الخطاب معه،

وبدون شك الإلهام في الإيمان بالطاقات والكفاءات الملهمة الموجودة داخله وفي المجتمع.

وقبل ذلك فإقناع الناخبين سيكون بتوفير مرشحين جيدين ووطنيين.
العملية صعبة في الاستقطاب بوجود شروط سياسية خاصة لكن استهداف البورجوازية الوطنية سيكون مربحا.

وقبل ذلك أن يكف عدد من الناس من ترديد بعض المقولات غير الممحصة من أن الدولة تحتاجنا، وأن التعيينات في المجالس الدستورية إشارات.

عدد من هؤلاء لا يعرف حتى مقر الحزب بالعرعار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *