تمارة ليست إمارة سلفية

2020-05-18T21:19:08+00:00
2020-05-18T21:22:44+00:00
كتاب وآراء
18 مايو 2020
تمارة ليست إمارة سلفية
د علال البصراوي

فوجئ الرأي العام الوطني بما قام به المجلس الجماعي لمدينة تمارة من تسمية عدد من فضاءات المدينة بأسماء مشرقية: أبو بكرة، تركي الغامدي، أحمد القرني، أحمد الحواش، حفيظ الدوسري، حسين الشامر، الأقرع بن حابس.. وغيرهم كثير ماجعل هذه المدينة تبدو من هذه الناحية كأنها ليست مدينة مغربية، مع أنها توجد وسط البلاد، بل ومحادية للعاصمة وكانت حتى وقت قريب جزءا منها.

وعند البحث في الأشخاص المحتفى بهم بإطلاق أسمائهم على فضاءات عامة بهذه المدينة، تبين أنهم دعاة وقراء…جلهم غير معروفين لدى عامة المغاربة الذي هم أساسا المستهدفين بتسميات الشوارع والساحات وغيرها.

وتثير هذه الواقعة عددا من الملاحظات والأفكار نعرض لها فيما يلي

إن مسألة تسمية الفضاءات العمومية وما ينتج عنها من جدل واختلاف وحتى صراع، ليس أمرا جديدا، بل هو قديم، وكان دائما مهما بالنظر الى الحمولة الثقافية التي يحملها كل اسم، والتي يسعى من يحاول إطلاقه على فضاء عمومي إلى تمريره كخطاب للمجتمع وللأجيال المقبلة. ولهذا كانت فرنسا قد اتخذت من بين قراراتها الأولى، عندما استعمرت المغرب، تسمية عدد من الشوارع والساحات بأسماء مفكريها وسياسييها وعسكرييها في أهم المدن المغربية، وردت الحركة الوطنية على ماقامت به فرنسا بإطلاق أسماء وطنية، بل أن الشعب نفسه كان ولازال يطلق أسماءه الخاصة والشعبية البديلة عن الأسماء الرسمية حين لا تعجبه.

ونظرا لأهمية الموضوع فإن المشرع حاول تنظيمه.

وهكذا نصت المادة 92 من القانون التنظيمي 14-113 المتعلق بالجماعات على أن مجلس الجماعة يفصل بمداولاته في القضايا التي تدخل في اختصاصات الجماعة، وذكر من بينها تسمية الساحات والطرق العمومية.

ونصت المادة 118من نفس القانون على أن لا تكون مقررات المجلس التالية قابلة للتنفيذ ألا بعد التأشير عليها من قبل عامل العمالة أو الاقليم أو من ينوب عنه داخل أجل عشرين يوما من تاريخ التوصل بها من رئيس المجلس. وذكر من بين تلك المقررات المقرر المتعلق بتسمية الساحات والطرق العمومية عندما تكون هذه التسمية تشريفا عموميا أو تذكيرا بحدث تاريخي.

ولمزيد من الضبط والتقنين صدر مرسوم ثالث يوليوز 1917 بتحديد مضمون نظام العنونة، ونصت مادته الخامسة على أنه يجب ان يكون اختيارتسميات الساحات والطرق العمومية معللا وألا يستند الى دوافع شخصية أو يكون مرتبطا باستغلال مواقع النفوذ والامتياز، كما يجب ألا تكون التسميات المذكورة مخالفة للنظام العام والأخلاق الحميدة.

في ضوء هذه النصوص أثير النقاش حول تسمية بعض الفضاءات العمومية بمدينة تمارة.ولعل أكثر الأسئلة ملحاحية لدى الرأي العام الوطني تتعلق أساسا بالدوافع التي جعلت المجلس الجماعي لهذه المدينة يلجأ إلى استيراد أسماء أشخاص سلفيين من مجتمعات أخرى، بعضها متطرف جدا مثل أحمد النقيب الذي يكره شيئا اسمه حقوق المرأة، وسبق له أن أفتى بقتل معارض لمجرد أنه خارج المذهب عوض اعتماد أسماء لشخصيات وطنية، تاريخية أو معاصرة لمفكرين وسياسيين وعلماء، وهم كثر. كيف لنا أن نتجاهل هؤلاء ونحتفي بأشخاص من مجتمعات أخرى لمجرد أنهم يلتقون مع من اتخذوا القرار في التصور الفكري أو الايديولوجي؟

إن المسؤولية على راس مجلس منتخب لاتعطي لصاحبها، شخصا أو حزبا الحق في فرض اختياراته على المجتمع الذي هو سابق عليه وباق بعده؛ ولو سمح بعكس ذلك لأصبحت مؤسسات البلاد ومدنها إمارات يتصرف فيها المسؤولون وينشرون فيها ماشاؤوا من أفكار ورؤى وأسماء فيتوزع الوطن وتضيع هويته.

إننا بالتأكيد لسنا ضد أسماء المشارقة لمجرد أنها كذلك. فالمئات من ساحاتنا وشوارعنا ومؤسساتنا-خاصة التعليمية تحمل اسماء مشرقية، وحتى غربية، تاريخية أو معاصرة.ط، لكن كلها لعظماء في مجالاتهم: عمر بن الخطاب، الغزالي، ابن رشد، ابن خلدون، المتنبي، طه حسين ، محمد عبده .. وغيرهم كثير. والمغاربة يحتفون بهذه الأسماء بل ويفخرون بها لأنهم لايجدون بها مايتعارض مع هوية مجتمعهم المنفتح والساعي إلى الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما لايؤمن به أولئك الذين احتفى بهم المجلس الجماعي لتمارة.

*رئيس حركة الخيار الثالث

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق