اُقتلوا الكلب والوزغ والغربان وابتعدوا عن الناقة والهدهد…

كتاب وآراء
26 يناير 2020
اُقتلوا الكلب والوزغ والغربان وابتعدوا عن الناقة والهدهد…
ذ سامي بنمنصور

في كثير من المرات يتكرر مشهد يستفزني حينما تتعرض الكلاب في شوارعنا للضرب والتنكيل ،تراه في حاله يبحث عن مايسكت به صوت أمعائه من الجوع ، فتنهال عليه الحجارة والهروات من كل حدب وصوب كرها فيه فقط، فنزيد من ظلمه، وكأنه لايكفينا أن هذا النوع من الكائنات قد غير من طبيعة جهازه الهضمي فقط ليأمن شرنا ويستمر في العيش داخل مجتمعاتنا التي لا تعرف معنى شعار ” الرفق بالحيوان “.

لكن سرعان ما تبادر إلى دهني وأنا أتابع باستغراب شديد الحملة الرافضة والمنددة بعزم السلطات الأسترالية التخلص من 10000 جمل من ضمن مليون رأس، متجاهلة الأسباب الحقيقية وراء الاقدام على هذه الخطوة والمتعلقة بإحداث خلل في النظام البيولوجي والبيئي وإلحاق الأضرار الكبيرة بالثروة المائية والغطاء النباتي والمجالات الزراعية والحيوية للفلاحين والاستراليين عموما، كما تفعل دائما مع أسراب الطيور وقطعان الأرانب التي لم تكن تحت المجهر بخلاف ما حصل مع الناقة والجمل.

الأسباب والمبررات التي استندت إليها الدولة الاسترالية في الاقدام على خطوتها ليست موضوع هذا المقال  وإنما محاولة فهم دوافع تلك الحملة الشاجبة والرافضة لهذه الخطوة التي شحدت كل الأسلحة، خاصة الثقافية والعرقية والدينية وكأنها حرب مقدسة كما هي الحروب في منطقتنا العربية والإسلامية، هذه المحاولة انتهت بأسئلة محيرة قادحة للفكر أكثر ما هي أجوبة منتهية ومغلقة.

الذين دافعوا عن الناقة انطلقوا من بعدين غلفا بشعار رنان “الرفق بالحيوان ” والتوراي خلفه، الأول النذرة والخصاص في بيئتنا الصحراوية والجافة والشبه جافة والمنهوبة مقابل الوفرة عند الآخر، بعض المنددين لم يستوعبوا التضحية بكل تلك السعرات الحرارية التي توفرها اللحوم التي نسي الكثير من شعوبنا شكلها وذوقها وأثقلت كاهله بأثمانها المرتفعة، وعوض ربط الاتصال بالسلطات الاسترالية من قبل دولنا أو مجتمعنا المدني لتأمين الاستفاذة منها وتموين بعض المطاعم الجامعية والمؤسسات الخيرية – عوض المبادرة – قدنا حملة للتباكي خلف شعار لاقوة ولا حضور له في ذهن مواطينينا.

أما الثاني هو ذلك المشحون دينيا وعاطفيا واستحضار مكانة الناقة في المخيال الاسلامي والعربي الرمزي والثقافي المستند على أحاديت كثيرة تزكي الأبل والنوق، ومن أشهر النوق في المجتمعات الاسلامية التاريخية ناقة النبي ” القصواء ” وناقة النبي صالح كما كان للإبل نصيب في النص القرآني (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )، ( وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) ، ( هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّه) ، ( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِم)، فالنص القرآني كان منسجما مع البيئة الوحيانية وضرب أمثلة بما يعرف الناس ،البغال والأنعام والحمير والنوق ولا فضل لهذه الصنوف على أخرى، ومن غير المعقول أن يستدعي كائنات بعيدة عن البيئة الصحراوية كالباندا والكنغر والبطريق.

وبالرجوع إلى التباين في المواقف بين المشهدين (المشهد الكلب / مشهد الناقة ) الذي يكرس عنصرية حتى في تعاطينا مع الحيونات والكره المجاني للكلاب، يحضر البعد الديني والايديولوجي بكل ثقله بعيدا عن شعار “الرفق بالحيوان” وحقوق الحيوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أوصيد زرع نقص أجره كل يوم قراط”، وفي رواية أخرى “إن الملائكة لاتدخل بيتا فيه كلب ولا صورة ” كما أنه في الموروث الديني أن الكلب الأسود يحرم الصلاة.

إن الكلاب كانوا ضحية لعنصريتنا الدينية والثقافية ، رغم كثرة الحكايات التي تعلق الإنسان فيها بالكلاب إلى درجة غير معقولة من الحب و الألفة والوفاء، لأن الكلاب هي الوفاء المحض والحب المحض ، يقول العقاد في رثائيته لكلبه “بيجو “:

أبكيك أبكيك وقل الجزاء
يا واهب الود بمحض السخاء
يكذب من قال طعام وماء
لو صح هذا ما محضت الوفاء
لغائب عنك وطفل رضيع

ومهما فعلنا بالكلاب فلن يستنفر أحدا للدفاع عنها، كما حدت مع الناقة ” “المباركة ” التي أصبح بولها سائلا مقدسا وتعطى فيه “المحاضرات العلمية “، هذه النفسية الكارهة للكلاب كانت لعنصرية دينية وثقافية وربما لسببين الأول حب أبي هريرة لهرته والثانية الكره الشديد بين الكلاب و الهررة ، وسحب ذلك إلى الوعي الجمعي في خانة المقدس، أما شعار الرفق بالحيوان فهو غطاء فقط يخفي وراءه ايديولوجية محبة أو كارهة للحيونات.

إني أنصح الأستراليين أن يوظفوني مستشارا للحفاظ على منظومتهم البئية ،وهذه استراتيجيتي البئية ونصائحي لهم، لاتقتلوا الخيل لإن في نواصيها الخير، ولا الهدهد لأنه استقصائي لسليمان ولاالناقة لأن بولها ترياق طبي معجز، واقتلوا الوزغ لأنه كان ينفخ على نار إبراهيم، والحية لأنها خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها، واقتلوا الفأرة لأنها كانت تقطع حبال سفينة نوح والغراب لأنه فضل الجيفة على خدمة نوح والكلب الأسود لأنه شيطان، وكذلك الحدأة ولا يهم لأي سبب ستقتل.

هذه نصائحي لكي لا يشن المسلمون والعرب حملة إيديولوجية على أستراليا وهي تحاول حماية منظومتها البيئية وتدبير الوفرة في تنوعها البيولوجي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق