المسرح الحديث عند “ستانيسلافسكي”

2019-09-25T13:41:05+00:00
2019-09-25T13:43:56+00:00
كتاب وآراء
25 سبتمبر 2019
المسرح الحديث عند “ستانيسلافسكي”
المسرح الحديث عند “ستانيسلافسكي”
إدريس الروخ

إدريس الروخ

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن المسرح في العالم دون الوقوف عند أحد أهم من وضعوا منهجا متكاملا في تدريس وإعداد الممثل.

قسطنطين ستانيسلافسكي الذي ساهم وبشكل كبير في جعل التدريب المسرحي أحد الركائز المهمة في إنجاز عمل مسرحي بإحساس مرهف.. يكون فيه الممثل نقطة ارتكاز للبناء الدرامي لكل شخصية أراد تقمصها.

الممثل هو الأساس ..هو العمود الفقري لكل عمل فرجوي ..هو المحرك والمنسق بين مكونات النص ورؤية المخرج وجماليات السينوغراف ونغمات الملحن …

لذلك اعتمد ستانيسلافسكي في تدريباته على خلق منهج يجمع بين الإحساس الداخلي والخارجي لخلق الشخصية المتكاملة والقادرة على البناء والهدم من أجل ترتيب جسيمات الشخصية، وكأنها صورة ممزقة حتى تأخذ وقتها في التجميع بدون سرعة الوصول ألى نهاية النتيجة ..لأن ذلك يفقد الشخصية عمقها ويفقد الممثل تلقائيته، ويتسبب له في تشويه حقيقة ماكان يرغب في تبنيه ..

إن الممثل عند ستانيسلافسكي لا بد أن يعيد بناء نفسه ويجمعها من جديد – تماما مثل جسيمات الصورة- إذ لا يستطيع أن يتفاعل مع مايحدث دون الرجوع إلى الوراء والبحث عن كنه الأشياء والمعاملات والحركات …وما قد يبدو للغير مألوفا فهو معقد جدا لكون ذلك يستلزم دراسة معمقة وخيالا واسعا ..وتخيلا ممكنا ..ورحلة بحث في تفاصيل اَي شيء له علاقة بالشخصية – انطلاقا من مفهوم ( اللو السحرية ) التي تجعل الممثل أمام أمر واقعي (لو كنت كذا في مكان ما ماذا ستفعل؟).

بطبيعة الحال ..هنا العودة إلى الفعل تحيلك على خبراتك في حياتك من ماضيك وأحاسيسك وانفعالاتك السابقة ..تحرك فيك ماهو ساكن وتوقظه من سباته وتنشطه شعورياً أو لاشعوريا لتجد لها الرابط والجسر الذي يصلها ويبررها، وفي نفس الوقت يقويها ويجعلها منطقية …إنه نوع من التشخيص الانفعالي الداخلي المبني على الماضي بطريقة سلسة دون الإصرار على وقوعها بغرض الحفاظ على الصدق والإيمان…وتحويل ماهو روتيني ومصطنع إلى ماهو تلقائي وطبيعي عن طريق التدريب اليومي والغوص في خبايا النص ومحتوياته  وطرح الكثير من الأسئلة من أجل الفهم والتمعن والتقرب الى حقيقة ما أنت مقبل على تقديمه أمام الجمهور …

إن أسئلة من نوع ((متى وأين ولماذا وكيف) تجبرك على الوعي بضرورة الاهتمام بحساسيات وحيثيات الشخصية من أجل بنائها بناءً صلبا يقنع ويمتع الجمهور .

المنهج أساسا يعتمد على الحفر في الماضي والاعتماد على التحليل النفسي، وقدرة الممثل على رسم الشخصيات رسما واقعيا يجعلها حقيقية ..وبهذا يمكن أن يصبح (الممثل) الشخصية، وتصيح الشخصية حية موجودة ..فاعلة ..تقع في ذاته ويقع في ذاتها ..ينخرطان في موضوع واحد وزمن واحد وواقع واحد ولغة واحدة وجسد واحد، بل ونفس واحدة …يتوحدان في الذات الفاعلة ..الظاهرة فوق الخشبة ..

هذه العملية لا تأتي من فراغ ..ولا بصدفة ..ولا بتهاون وكسل وخمول ..بل هي وعي تام بطريق شاقة وصعبة في الإعداد والتدريب اليومي، الذي يصيح ضرورة ملحة وهدفا أعلى للوصول إلى السمو وبلوغ التميز …

مؤلف ستانسيسلافسكي (إعداد الممثل) ليس وصفة سحرية لخلق الممثل (الحرباء) أو الممثل المبدع …قد تنجح في ذلك وقد تفشل توازيا مع قدرتك ورؤيتك وثقافتك ومجتمعك ونفسيتك، والكثير من التفاصيل المهمة في جعل المنهج ينجح أو يفشل…

ولكن يجب أن نقر وأن نؤكد أن ستانيسلافسكي وضع اللبنات المهمة لتكوين الممثل، ووضعه في قارب وسط بحر مزبد …وبالتالي يجب أن تتسلح بالكثير والكثير من المناهج الأخرى ومدارس التمثيل ،..التي تقدم لك حلولا أخرى للاشتغال على الشخصية دون السقوط في الرتابة والملل .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *