أفكار قد تكون قابلة للتطبيق: محاربة الاكتناز

2020-05-15T11:26:57+00:00
2020-05-15T11:27:24+00:00
كتاب وآراء
15 مايو 2020
أفكار قد تكون قابلة للتطبيق: محاربة الاكتناز
ذ لحسن فراحي

“المغرب فيه الفلوس” جملة تتداول أحيانا بين المغاربة. لكن أصحاب الفلوس:

• إما ليست لهم الثقة في المؤسسات البنكية.
• أو يخشون إدارة الضرائب.
• أو خائفين من “العين”.

وبالتالي لا ينامون الا إذا تأكدوا أن “فلوسهم” في “أمان الله”، وحينما “تبيت الفلوس في أمان” فان الاقتصاد ـ بمفهومه الحديث ـ يتضرر.

في علم الاقتصاد، يجب أن نميز بين الادخار والاكتناز، ذلك أن الاكتناز لغة هو احراز المال في وعاء ودفنه أما الادخار فهو أن يخبأ المرء المال لوقت الحاجة.

وغاليا ما يكون المال المكتنز “أسود اللون” ويحكم عليه بالدفن ويمكن لمالكه أن يحاول غسله أو تبيضه بوسائل شتى.

منذ سنوات عديدة والمغرب يحارب ظاهرة غسل “المال الأسود”، اذ صدر بهذا الخصوص الظهير الشريف رقم 1.07.79 الصادر في 28 من ربيع الأول 1428 (17 أبريل 2007) بتنفيذ القانون رقم 43.05، الصادر بالجريدة الرسمية رقم 5522 بتاريخ 3 ماي 2007.

حاول المغرب كذلك سن قوانين تحد من مراقبة مالكي “المال الأسود” ومساءلتهم بخصوص سند التملك (الاثراء غير المشروع)، لكنه لم يفلح لأسباب تقنية.

العجز عن محاربة ظاهرة الاثراء غير المشروع أصبح رسميا، اذ صرح السيد مصطفى الرميد “وزير العدل والحريات” سابقا و”وزير الدولة المكلف بالعلاقات مع البرلمان وحقوق الانسان” حاليا بما يلي:

ان قانون الإثراء غير المشروع هو السبيل الوحيد لمحاربة الفساد في المغرب.

وأن “الفاسدين لا يتركون آثاراً لفسادهم ولكن الثروة تدل عليهم”، مضيفاً أن “المغاربة لا يمكن أن يتعايشوا مع أشخاص بدأوا من الصفر فإذا بثرواتهم تتضخم بشكل كبير وغير مبرر ومعقول”.

وسرد السيد وزير الدولة واقعة إحدى سكريتيرات مسؤول قضائي اكتشف أن لها ضيعة وسيارة رباعية الدفع “كات كات” وتعيش في بحبوحة، لتكشف التحريات السرية أنها كانت تقوم بالسمسرة في الملفات القضائية إلا أن المشكل يكمن حسب تصريحه في عدم وجود قانون لمحاكمتها ومسائلتها حول ثروتها، مضيفا “ذهبت بصحتها بعد تقديمها الاستقالة وبصحة الجميع لي كيشفرو فهاد البلاد مادام معندناش قانون تجريم الإثراء غير المشروع”

وقد تكون محاربة الاكتناز ـ كحل في الظرفية الحالية لتمكين القطاع البنكي من السيولة الضرورية لمواجهة آثار جائحة كورونا ـ وسيلة فعالة لرد السيولة للمؤسسات البنكية.

الخاص والعام يعلم أن “المال غير المشروع” يصعب عليه الاتجاه مباشرة نحو الاقتصاد وذلك بضخه في الحسابات البنكية التي تعتبر شرايين الاقتصاد.

“المال غير المشروع” يتم اكتنازه ـ الاكتناز بمفهوم La thésaurisation ـ وتخزينه خارج القنوات المالية الرسمية، وهذا الاكتناز قد يأخذ شكل:

1. العملة الوطنية مكتنزة بخزنات (Coffre -fort) بل حتى في “مخدات” أو “تحت الزليج”.

2. المجوهرات واللوحات الفنية الغالية الثمن.

3. عملات أجنبية (الأورو والدولار) بنسب متفاوتة.

لا أحد ينكر أن “المكتنزين” غالبا ما تكون “ثروتهم مشبوهة”.

§ أسباب النزول.

تداولت جل وسائل الاعلام وحتى القنوات التلفزية والجرائد الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وجود 17 مليار سنتيم في بيت مواطن خلال سنة 2017.

أن يكون المبلغ أقل أو أكثر، فالاكتناز تابت ويطرح سؤال التستر، والحال أن الثروة خلقت للاستثمار والعلنية لا أن تكون “ذات لون أسود سوداء، مدفونة وهي حية”.

أن يكون الملف معروضا على القضاء فهذا شيء جميل، لكن أثره على الاقتصاد والثقة بين المواطن والدولة فهذا شيء آخر.

المثال المشار اليه أعلاه منه المآت ان لم أقل الآلاف.

§ لماذا يجب محاربة الاكتناز؟

هناك أربع موجبات لهذا الطرح:

أولها: تمكين الدولة عبر “البنوك المغربية” من السيولة اللازمة لمواجهة ما بعد كورونا.

ثانيها: إمكانية أداء بعض الدعائر والغرامات دون المرور بمقتضيات “قانون مكافحة غسيل الأموال” ثمنا للخطيئة وتجنبا للتجريم وتماشيا مع فلسفة “ان الوطن غفور رحيم”

ثالتها: تجفيف المجتمع من هذه الفئات للتحضير لعقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة.

رابعها: جعل الثروة المشروعة هي المثال المحتذى به للتشجيع على “قيم العمل والمثابرة” لتبقى هي الباب الوحيد للإثراء.

§ المقترح.

تغيير الأوراق النقدية بأوراق أخرى ودعوة كل المواطنين الى تقديم ما لديهم من أوراق نقدية للبنوك لاستبدالها بالأوراق الجديدة داخل أجل قصير، مع اعتبار الأوراق غير المستبدلة ـ بعد هذا التاريخ ـ لا غية ولا قيمة نقدية لها.

أكيد أن لاستبدال الأوراق النقدية كلفة وأثرا ـ مرحليا ـ على الدولة ومؤسسات الائتمان، لكن النتيجة المتوخاة ستكون ذات فائدة كبيرة على الاقتصاد من جهة وضربة موجعة لمالكي الثروة غير المشروعة من جهة ثانية.

IMG 20200513 WA0011  - الخبرية

§ السيناريوهات المحتملة.

سيجد المكتنز نفسه أمام حلين لا ثالث لهما:

ـ اما تقديم “ماله المكتنز” للاستبدال بأوراق نقدية جديدة، وهذا الاجراء في حد ذاته مفيدا للكشف عن حجم “المال المكتنز” الغير المساهم في عجلة الاقتصاد.

ـ واما، عدم القدرة على هذه المواجهة وستتحول “الثروة السوداء” الى “مجرد ورق” ويلتحق مالكها ب “36”.

§ الاحتياطات المواكبة.

يمكن سن بعض المقتضيات القانونية المواكبة ـ لتغيير الأوراق النقدية ـ لمواجهة المتحايلين على القانون ببعض الاحتياطات:

1. التطبيق بأثر رجعي على الأقل بخمسة أشهر، لأن اتخاذ مثل هذه القرارات تتسرب وتتحايل عليها الطبقة المعنية باقتناء عقارات وأصول وشركات نقدا En espèces، (قبل صدور قرار استبدال الأوراق النقدية) وعليه يجب مسائلتها حتى على التصرفات التي وقعت قبل نفاذ القانون.

2. منع التعامل الا عبر البنوك (شيكات وكمبيالات وتحويلات بنكية) بالنسبة للمعاملات التي تتعدى مبلغا معينا.

3. المراقبة الصارمة بخصوص اقتناء العملة الصعبة دون المرور عبر القنوات المحددة بموجب قانون الصرف، كأن تسافر أسرة بكاملها للخارج حاملة مبالغ معينة من العملة الصعبة دون الادلاء بوصل الحصول عليها من مؤسسة مختصة.

4. مراقبة بيع العملة الصعبة محليا من قبل “مكتنزيها” للحصول على الأوراق النقدية الجديدة.

5. مراقبة عقود اقتناء العقارات المنجزة من قبل الموثقين والمحامين والموجودة لدى إدارة الضرائب والمتضمنة لعبارة “تم أداء الثمن خارج ديوان الموثق” واعتبار ذلك تبييضا لمال أسود.

هي مجرد أفكار قد تكون قابلة للتطبيق يختلط فيها السياسي بالاقتصادي والاجتماعي والقانوني.

* محام بهيئة الدار البيضاء
دكتور في الحقوق
maitrefarahy@gmail.com

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق