أرباب الزمن

كتاب وآراء
10 يناير 2020
أرباب الزمن
ذ رشيد بلفقيه

يطير الزمن في أرض الله الواسعة وينزل حتى يبلغ فضاءاتهم فيربض كالفهد المروض لايكاد يحرك ثوانيه ودقائقه، ولا يجرؤ على هز عقاربه والتلويح بها في وجوههم .

سنوات مرت عليهم وهم الجالسون قرب الخلاصات الموثوقة، في مدخل الدرب أو قرب الحوانيت القديمة .

هناك قرب هبات الدفىء التي تغدقها الشمس الحانية على المدينة الغارقة في قر الشتاء، أو في مساحات الظل الذي تهديه الجدران القائمة للائذين بها فرارا من وجه القيض صيفا .

وحدهم يحتكرون لذة التبرد والتشمس، لأنهم يقبضون رحيق اليوم و يتابعون بقيته باستخفاف، فوفقا لمنطقهم كل الطرق تؤدي إلى حيث هم، إلى حيث يوجدون لمن أجاد المناورة والنجاة في مسيرة حياة، منطق لا يسود إلا هناك حيث وصلوا الواحد تلو الآخر بعد رحلة طويلة من المهد إلى الكهولة .

وحدهم يسمحون لأجزاء يومهم أن تطول أو تقصر كما يحلو لهم لا لها ، لأنهم -وحدهم- يحتكرون المعرفة المطلقة التي تجعلهم يمسكون الساعات الرملية من زاوية مجهولة تبقى فيها رمالها الجامحة شبه مستقرة في الفراغ الذي تملؤه أحاديثهم الهادئة الطويلة .

هن الجدات بحكاياتهن التي طوعت الزمن، الجدات اللواتي يجعلن كل كلمة رشفة من فنجان اللذة الهيلينية الخالصة، الجدات قاهرات الزمن. هم المتقاعدون الذين صاروا خارج منطق الساعة ذات العقارب اللاهتة دوما في الحلقة المريرة .

هم صاحب الدكان الصغير في وسط الزنقة الشعبية، بائع السلع والأخبار، حارس البطء والدقة، وذلك الخياط الهرم الذي يفتح دكانه متأخرا ولا ينتظر أحدا جاؤوا جميعا أو رحلوا. هو هناك، يفتح فقط من أجل براد الشاي الذي يصله في نفس التوقيت يوميا مع حديث طويل لا ينتهي …

حياة حقيقية بعيدة كل البعد عن تلك الحياة المعلبة المبسترة التي تقدمها التلفزة والسينما والروايات، تلك الحياة الممكيجة الباردة المطبوخة مسبقا، تلك التي صنعتها يد مهووسة بالكمال…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق